ليس لأحد فضل على موريتانيا ..
كتبهاlebjawi ، في 12 ديسمبر 2008 الساعة: 20:22 م
ليس لأحد فضل على موريتانيا .. إن فضل موريتانيا على الجميع
و موريتانيا أهم من الديمقراطية .. لكن الديمقراطية أهم من ولد عبد العزيز .
ـ بعد تحرير باريس من الاحتلال الألماني (1944) في حرب شوارع لم يسبق لها مثيل تفرس فيها أبناء الوطن فكان لا بد من النصر، أقام الجيش الفرنسي احتفالا تاريخيا على امتداد الشانزيليزي . و في أوج فرحة النصر و بين تصفيق الجماهير الممتدة على حافتي الطريق في لحظة شموخ تاريخية مستحقة ، مرت تشكيلة من الضباط تقود المسيرة في زي المراسيم المطرز أمام الجنرال دي غول ، عند قوس النصر ، تكاد قفازاتهم تطير من فوق رؤوسهم من شدة الاعتداد بالنفوس، فصرخ فيهم بأعلى صوته :”قف” و تقدم إليهم يرتعد من الغضب و قال : “نكسوا أنوفكم إلى الأرض : ليس لأحد فضل على فرنسا .. إن فضل فرنسا على الجميع”
إذا كان قالها دي غول لمن حرروا باريس بأنهار من دمائهم فكيف يقول لنا نحن من عبد بلادنا ببحور من دماء أبنائنا الأبرياء أنا وحدي من لا يمكن لموريتانيا أن تنسى فضله؟
ـ يتفق مثقفو العرب اليوم على أن مشكلة عالمنا العربي المجيد تكمن في قادته الذين تفنون بشكل مسرحي في تدمير “خير أمة أخرجت للناس” بنهب خيراتها و استباحة أهلها و المتاجرة بهويتها و العبث بانتمائها و لم يكن أي من صدام حسين و هواري بو مدين و ياسر عرفات و الملك الثائر (فيصل) استثناء لهذه القاعدة رغم ما بلغه كل منهم من صيت تجاوزت حدوده البلد و القارة و العالم أجمع. الاستثناء الوحيد للقاعدة يأتي من حيث لم يتوقعه أحد : “لقد كان المختار ولد داداه ، مؤسس الدولة و ابنها البار، فلتة من فلتات الزمن الاستثنائي”، يقول لهم أبو معتز مدعيا أن “الأيام وقفت إلى جانبه عندما كتب ولد بلعمش مقاله المنشور في تقدمي و الذي نبش فيه قبر المختار ولد داداه”.
“إذا قال خمسون مليون نسمة شيئا سخيفا فإن ذلك لن يغير من حقيقة أنه سخيف” ، يقول آناتول فرانس ، تماما كما لو كان يرد على معتز في درس مبسط من المنطق .
لكن، من مساوئ الدعاية السياسية و غرائبها أيضا، أن صاحبها يظل يردد كذبه حتى يصدقه هو نفسه؟
ما زلت حتى هذه اللحظة مذهولا من هول ذات مشهد في “حوش” الدرك بتجكجة : حوالي ثلاثين شابا و شابة عراة كما ولدتهم أمهاتهم ، في وضح النهار ، يأخذ كل منهم دوره من التعذيب و يعود إلى الزريبة ، يفترسهم عبدو اللاي سي (لحرور) و بكار ولد أعلي قنوه و سيد أحمد ولد أحمد عيده في تلك المدينة العريقة من جمهوريتنا الإسلامية ؟؟
و تقولون كان المختار ولد داداه (…!) و تريدوننا أن نسكت؟
“التاريخ عمل يكتب لمرة واحدة” كما قال بيير مندس فرانس و هذا ما طاف على من يحاولون اليوم ترقيع سياسة ولد داداه و تبرير أخطائه لكن “التاريخ (أيضا) هو الحصيلة الإجمالية لأشياء كان من الممكن تفاديها كما قال كونار أديناور : لقد وقع المختار ولد داداه في كل ما كان يمكن أن يقع فيه من أخطاء و أخطأ في كل ما كان يمكن أن يصيب فيه بلا استثناء .. و تركها خاوية على عروشها ، تتخبط في بحر من دماء أبنائها و تحرس قيادة أركانها الكتائب المغربية، فأي إساءة إلى هذا الشعب أكبر من أن يقال له اليوم كان المختار ولد داداه ؟ ثم “إن وصف أحدنا لقريبه بأنه أحمق لا يعتبر إهانة بل تشخيصا” كما قال “فريدريك دارد”
ـ أنا لا أحب الحديث عن تلك الفترة المشؤومة و لا التفكير فيها لأنني أعي جديا أننا ـ كما يقول فولتير ـ “كلما أطلنا التفكير في مصائبنا ازدادت إضرارا بنا” لكن من يقدمونه لنا اليوم كبطل تاريخي لا يمكن لموريتانيا أن تنسى فضله هم من يدفعونا للتصدي لهم في ردة فعل تفرضها علينا الأمانة التاريخية لأن ثمة أجيال في بلدنا لا تـزال في عمر التلقي نرفض أن تبتلع أباطيلكم المنظمة الهادفة إلى تسويق المشروع الداداهي الذي ظل رأسه يصرخ بعد قطعه مثل “أورفي” (الميتولوجيا اليونانية )
ـ حين رأيت الشاعر الثائر أحمدو ولد عبد القادر الذي تغنينا بروائعه في الابتدائي يمدح معاوية في روصو … أحمدو ولد عبد القادر الذي رمت فتاة نفسها في بئر و ماتت في “بو لنوار” حين قبض عليه الدرك ذات مرة .. أحمدو ولد عبد القادر الذي عاش في وجداننا كالأسطورة، فهمت أن كروية قصة إنسان هذه الأرض هي الفخ المضروب منذ الأزل لكل من يتوهم أن الحقيقة يمكن أن تهزم الأباطيل في بلد يلبس سحرته جلابيب الأولياء الصالحين.. و يتمثل قطاع طرقه أدوار المجاهدين الأفاضل.. و يدعي كل خونته ما يقف دونه عمر المختار مطأطئا رأسه..
ـ نحن في زمن غريب لا عبرة فيه بأي قول أو فعل ، المهم أن تكون ظاهرة صوتية تردد أي شيء .. زمن غريب يقول فيه صالح ولد حننا : “موريتانيا أهم من الديمقراطية” ناسيا أنه بهذه العبارة يدخل الدائرة العمياء لرادار الغباء بتبجح : سنتفق مع صالح أن الديكة أهم من البيضة و ننسى معه أن موريتانيا اليوم موجودة بفعل المواثيق الدولية المحمية بقوة الديمقراطية لا بدبابات صالح المحشوة الذخيرة بألعاب الأطفال النارية و لا بتهديدات ولد عبد العزيز لشعبها الآمن بالحروب الأهلية .. سنتناسى مع صالح أنه ليس من حقه أن يخيرنا بين موريتانيا نحن أديم سحنتها و ديمقراطية لم نستحقها بنضاله .. سنغض الطرف عن هذا المنطق العزيز الصلاح .. سنقول له أحسنت و أوجزت نعم : “موريتانيا أهم من الديمقراطية” إذا كان سيتفق معنا على أن الديمقراطية في أسوأ طبعاتها تظل أهم منه و من ولد عبد العزيز و من ولد داداه.
”ربما كنا بحاجة إلى هذه التـراجيديا كـي لا تبقى أيادينا معلقة في الدهور” كما قال الأديب الياباني كاوباتا في حديثه عن هيروشيما و ناغازاكي : “اسخروا ما شئتم أن تسخروا ، لكن لا فائدة ، فالريح سوف تعيد الرمال إليكم” كما قال ويليام بليك.
نحن في زمن شديد الاستثنائية تتسيد فيه رئاسة ولد عبد العزيز و مسرح بط مكعور و معارضة أحمد ولد داداه و تنظير صالح ولد حننا. و هذا يعني أنه علينا أن ننتظر كل شيء :
ـ الرئاسة مسؤولية كبيرة ، عريضة ، طويلة لا يجوز أن يتحدث صاحبها بهذه السوقية و هذه الدرجة العالية من الـتوتـر الواشية بسطحية صـاحبها..
ـ و ماذا يمكن أن نـنـتظر من مسـرح لم يكمـل أي من أعـضـاء فـرقـتـه تـعلـيمـه الابتدائي؟ إن أكبر و أفظع ظاهرة في بلدنا هي اليوم قصة التلون السياسي و الركض الأعمى خلف كل من يصل الحكم بأي طريقة.. هي ظاهرة التصفيق المخجلة التي حولت كل شعبنا إلى مهرجين و التي مثلها بط مكعور في أعلى تجلياتها في حلقته الساقطة التناول ، النابية الأسلوب ، المخجلة الدوافع ..
ـ و أي تناقض أدعى للسخرية أكثر من اعتبار أحمد ولد داداه نفسه زعيما للمعارضة ؟ فأنت تقول إن الرئيس سيدي ولد الشيخ عبد الله لن يعود أبدا و المجلس العسكري تلهث خلفه منذ اللحظة الأولى، فمن تعارض اليوم غير الوطن؟ هل ثمة أمر أكثر غرابة و أدعى إلى السخرية من هذا؟
ـ يقول صالح ولد حننا إن موريتانيا أهم من الديمقراطية ، و هذا يعني ببساطة أنه لا يفهم معنى الدولة و لا معنى الديمقراطية : فماذا يربط عيون العتروس بانواكشوط غير المعاهدات و المواثيق المكونة للشرعية المؤسسة للعدالة و الديمقراطية ؟ و لماذا تمردت أنت و وجهت فوهات دباباتك إلى الأحياء العامرة لتحصد الأرواح البريئة في ما ادعيت أنه تعبير عن رفض الظلم، أم أن الديمقراطية حينها فقط كانت أهم من موريتانيا؟
هذا الغثاء السائد هذه الأيام يجعل كل متكلم في وضع محرج لأن أصعب ما في الوجود هو شرح البديهيات كما يقال ، فلا حدود اليوم لهذه السوقية المتبجحة العرض و الطلب (أيضا) كأن إنسان هذه الأرض يتطوع لخبراء علم النفس بتحدي الخجل في مزاد علني مفتوح يتبرع ولد داداه و بط مكعور و صالح ولد حننا بإنعاش سهراته التهريجية (بعد قبض الثمن).
هي محنة كبيرة لا شك كان لا بد لبلادنا أن تمر بها لأن حركة الزمن العادية لم تكن كافية للتخلص من مخربي هذا البلد في أقل من 50 سنة أخرى . أنا أستبشر خيرا بهذه الأزمة و أعتقد أنها ستكون إيجابية جدا و ستخرج منها موريتانيا أقوى لأن جميع المفسدين و المنافقين و المخربين توالوا في صف واحد و احتدمت المواجهة بين الخير و الشر في جبهتين تجهل التلفزة الموريتانية أنها تقوم بعمل عظيم هذه الأيام بنقل صور كل من لا ينتمي لجبهة الخير في هذا الصراع الواعد بنصر لا نتبجح إذا قلنا أننا لا نحتاج أي جهة لتحقيقه لأن من هذا فضاؤهم الفكري لا يملكون أبسط وسائل الاستمرار.
taqadoumy
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج
























